هل يسرق الذكاء الاصطناعي قدرتك على اتخاذ القرار ؟


 

تخيل أن تبدأ يومك، فتجد أن الذكاء الاصطناعي قد اختار لك ما تشاهده، وما تسمعه، والطريق الذي تسلكه، والمطعم الذي ستطلب منه، وربما حتى الكلمات التي ستكتبها في رسالة لصديق.


في البداية، يبدو الأمر مريحًا.


لماذا أضيّع وقتي في الاختيار، بينما توجد خوارزمية تعرف ما أحب، وتستطيع أن تقترح عليّ ما يناسبني خلال ثوانٍ؟


لكن هنا يظهر سؤال أكثر أهمية:


إذا أصبح الذكاء الاصطناعي يتخذ عددًا متزايدًا من قراراتك اليومية… فهل يمكن أن تضعف قدرتك أنت على اتخاذ القرار؟


الإنسان لا يولد بقدرة مكتملة على اتخاذ القرارات. هذه القدرة تتطور مع التجربة.


نحن نتعلم من الاختيارات الصحيحة، ونتعلم أكثر أحيانًا من الاختيارات الخاطئة.


كل مرة تقارن فيها بين خيارين، أو تتردد، أو تغير رأيك، أو تتحمل نتيجة قرار اتخذته، فأنت لا تضيع وقتك بالضرورة. أنت تدرب منظومة ذهنية معقدة تشمل الانتباه، والتقييم، والتنبؤ بالنتائج، وضبط الاندفاع.


لكن ماذا يحدث عندما نبدأ بإسناد هذه العملية إلى الآلة؟


لنأخذ مثالًا بسيطًا.


في السابق، إذا أردت مشاهدة فيلم، ربما سألت صديقًا، قرأت عدة مراجعات، شاهدت الإعلان، ثم اخترت.


اليوم، قد تفتح المنصة فتجد أمامك عبارة:


«اخترناه لك.»


وبعد عدة سنوات من الاعتماد على هذه الاقتراحات، قد تتغير علاقتك بالاختيار نفسه.


بدلًا من أن تسأل:


«ماذا أريد؟»


قد تبدأ بسؤال مختلف:


«ماذا تقترح الخوارزمية؟»


وهنا تكمن المفارقة.


كلما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أفضل في فهم تفضيلاتنا، أصبح من الأسهل علينا تسليمها جزءًا أكبر من قراراتنا.


وهذا ليس سيئًا دائمًا.


الإنسان يتخذ آلاف القرارات الصغيرة يوميًا، ومن الطبيعي أن يبحث عن أدوات تقلل الجهد الذهني. نحن نفعل ذلك منذ زمن طويل باستخدام الخرائط، والآلات الحاسبة، ومحركات البحث.


لكن المشكلة تبدأ عندما لا نستخدم الأداة لمساعدتنا على القرار، بل نستخدمها لكي تعفينا من القرار بالكامل.


هناك فرق كبير بين أن تقول للذكاء الاصطناعي:


«ساعدني على مقارنة هذه الخيارات.»


وبين أن تقول:


«اختر عني.»


في الحالة الأولى، لا تزال أنت صاحب القرار.


أما في الثانية، فأنت تبدأ تدريجيًا في نقل جزء من مسؤولية الاختيار إلى نظام خارجي.


وهذا الأمر قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما لا تكون الاقتراحات محايدة تمامًا.


فالخوارزمية التي تقترح عليك مقطعًا أو منتجًا أو خبرًا لا تعرفك فقط، بل تتعلم أيضًا ما الذي يجذب انتباهك، وما الذي يجعلك تنقر، وما الذي يجعلك تبقى وقتًا أطول.


ومع مرور الوقت، قد يصبح الخط الفاصل بين:


«هذا ما أريده»


و


«هذا ما تعلمت الخوارزمية أن تجعلني أريده»


أكثر ضبابية.


تخيل مستقبلًا قريبًا يخبرك فيه مساعدك الذكي:


هذا هو المطعم الأنسب لك.


هذه هي الوظيفة التي يجب أن تتقدم لها.


هذا هو الشخص الذي قد يناسبك.


هذه هي المدينة التي ينبغي أن تعيش فيها.


هذه هي الإجابة الأفضل التي يمكنك إرسالها.


قد تكون اقتراحاته ممتازة.


وربما تكون أفضل من قراراتنا في بعض الأحيان.


لكن السؤال الحقيقي ليس:


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات جيدة؟


بل:


ماذا يحدث للإنسان عندما يتوقف عن ممارسة اتخاذ القرار؟


هناك مهارات لا نحافظ عليها بالمعرفة فقط، بل بالممارسة.


مثل العضلات.


إذا توقفت عن استخدامها فترة طويلة، لا تختفي فورًا، لكنها قد تصبح أضعف.


وقد تكون القدرة على تحمل الحيرة، والمفاضلة بين الخيارات، واتخاذ قرار في ظل معلومات ناقصة، إحدى أهم المهارات التي سنحتاج إلى حمايتها في عصر الذكاء الاصطناعي.


لذلك ربما لا يكون الحل أن نرفض أنظمة التوصية أو المساعدات الذكية.


بل أن نغير طريقة استخدامها.


بدلًا من أن نسأل الذكاء الاصطناعي:


«ماذا أفعل؟»


يمكن أن نسأله:


«ما الخيارات التي لا أراها؟»


«ما مزايا وعيوب كل خيار؟»


«ما الافتراضات التي قد تكون خاطئة في تفكيري؟»


ثم نتخذ القرار بأنفسنا.


لأن أفضل مستقبل للذكاء الاصطناعي قد لا يكون ذلك المستقبل الذي تتخذ فيه الآلة القرارات عنا.


بل المستقبل الذي تساعدنا فيه الآلة على أن نصبح أفضل في اتخاذ قراراتنا بأنفسنا.


وفي عصر تستطيع فيه الخوارزميات أن تعرف تفضيلاتك بدقة مذهلة، ربما يصبح أحد أهم الأسئلة التي يجب أن تسألها نفسك من حين إلى آخر:


هل هذا ما أريده فعلًا… أم أنه فقط ما تم اقتراحه عليّ؟!!

إرسال تعليق

0 تعليقات